محمد رأفت سعيد

344

تاريخ نزول القرآن الكريم

سورة « الشعراء » وبعد سورة الواقعة وما تضمنته من المعاني التي تؤسس اليقين في القلوب نحو اليوم الآخر ، وتأخذ بالعقول للتفكير في آيات الله الكونية ، وما يكون من وقع الموت بالإنسان ومصيره في الآخرة تنزل سورة الشعراء ، لتدعم اليقين ، في آيات الكتاب المبين ، وكيف حفظه من أنزله سبحانه على قلب رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وتبيّن موقف الناس منه ، وما تضمنه من وجوه الإعجاز ، وتنزهه عن المشابهة بكلام البشر ، فسورة الشعراء مكية عند الجمهور وقال مقاتل : منها مدني ؛ الآية التي يذكر فيها الشعراء ، وقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 197 ) وقال ابن عباس وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة « 1 » وهي قوله تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 ) . وتبدأ السورة الكريمة بالحديث عن القرآن الكريم ، وأنه كتاب مبين ولكنّ موقف الناس منه عجيب فقد كذّب به - مع وضوحه - فريق منهم ، وهذا الموقف أحزن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم حزنا شديدا . وهم بهذا الإعراض مع التكذيب والاستهزاء يعرّضون أنفسهم لعذاب الله ، قال تعالى : طسم ( 1 ) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 6 ) . فهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله مع وضوحها عمى عن آيات الله الكونية ، لم يفتحوا عيونهم ليروا تحت أقدامهم الأرض ، وما أنبت الله فيها من كل زوج بهيج ليكون في هذا النظر فتح لقلوبهم ، قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) .

--> ( 1 ) القرطبي 13 / 87 ، فتح القدير 4 / 92 .